الخميس، 15 أكتوبر 2026

وطن لا ينكسر.

          قَبلَ سنواتٍ مِن تَولي الملك سلمان دفَّة قيادة المملكة واختياره الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد، كانَ التساؤل يدور حَولَ

مِحوَرٍ واحد هوَ: لمـاذا لم تأخُذ المملكة ما تسـتَحِقُه مِن مَركَزٍ إقتصادي وسياسي خليجي وإقليمي وشرق أوسَطي !؟ وبعدَ أنْ طَرحَ الأمير محمد بن سلمان رؤية 2030 وبدأ بتطبيقها بحَزمٍ وثبات، وبعد أنْ تأكَّدَ المُترَبصون بالمملكة مِن حقيقة عَزم المملكة الجاد لأخذ موقعها الواجب والمُستحَقّ مُنذُ عشرات السنين، بدأت “الأيادي الخفيَّة” بعَمَل المُستحيل لحَرف مسار المملكة عن التطبيق الكامل لرؤية 2030 التي لا محالة سَـتضَع المملكة في موقِعها المفروض والمُفترَض لقيادة المنظومَة العربية، ومِن قَبلها الخليجية. هذه المنظومَة التي اختطفتها الناصرية عام 1952م ثمَّ البعثية عام 1969م، واللتان لم تؤديا فقط إلى تدمير دوَل ومُجتمعات أصحابها، بل دَمَّرَت دوَلٍ ومُجتمعاتٍ عربية أُخرى جَرَت وراء تلك الشعارات الرنَّانة التي اختطَفت الشباب العَربي مِن فُراتِه إلى أطلَسِـه. وعندما استيقظَت تلك الشعوب والمُجتَمَعات وجدوا أنَّهُم أسوأ حالاً ومآلاً عَمَّا كانوا عليه قبل سبعين سنه. بل إنَّ دَولةً خليجية كانت مِلء السَّمع والبصَر في الستينات والسبعينات الميلادية أصبَحَت في وَضعٍ يُرثى له. حيثُ دارت عنها طُرفَة شهيرة آنذاك، وذلك بسبب شٍـدَّة الضجيج الذي أحدَثَته هذه الدولة خلال ذلك العَقدين، عندما وَصَفَت الطُرفَة تلك الدولة بأنَّها الدولة “السادسة” في مجموعة الدول العُظمى الخَمس !! وخلال تلك العقود الماضية، كانَ الإعلام الرسمي وشِبه الرسمي لبعض الدوَل العربية يَصِف المملكة ومُجتمعها بالرجعيَّـة والتخَلُّف وغيرها مِن الأوصاف الثوريَة آنذاك. بل شَـكَّكَت تلك الأبواق الإعلامية بحقيقة ولاء المُجتمَع السعودي لقيادته، مُبَرِّرَةً صَمتَهُم بشِـدَّة القَمع الذي تُمَارسه حكومتهم، حسَب إدِّعاءات تلك الأبواق الإعلامية آنذاك. وعندما إنفضَّ السامِر بعد يونيه 1967م، وبَعدَ بدء التطبيع العربي مع الدولة الصهيونية عام 1980م، وبعدَ بدء المملكة بتنفيذ رؤية 2030، وتأكُّد تلك “الأيادي الخفيَّة” أنَّ المملكة اليوم تحت قيادةٍ شابَّة عازِمَة على وَضع المملكة في مكانها الواجب والمُستَحَق، بدأت تلك “الأيادي الخفيَّة” تَعمَل بجُهدٍ جهيد لإفشال مسيرة المملكة نحو التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ظانَّةً أنَّ إفشال تنمية وتَقَدُّم المملكة لن يعود على تلك “الأيادي الخفيَّة” بأي خَطَر. وكان أوَّل تلك العوائق أو الْفخاخ التي نُصِبَت للمملكة مُنذُ الأيام الأولى لبدء رؤية 2030، هي شَـيطَنَة وتجييش الجمهورية العربية اليَمَنية وجَعلها “شوكة” في خاصِرَة المملكة، على الرَّغم مِن أنَّ المملكة “دَفَنَت” اليَمَن مُنذُ اتفاقهما السياسي في نهاية الستينات الميلادية، بعشرات المليارات مِن الدولارات لدعم اقتصادها ومُجتمَعِها. ثُمَّ جاءَت (أو جيء بــ !!) ميليشيات الحوثي الإرهابية لتكون رأس حَربَة تلك الشوكَة، التي ظَنَّ كثيراً مِن الدوَل العربية أنْ لا علاقَة لها بها ولا خوفَ منها ومِن أهدافها. فكانت التحليلات السياسية الرسمية وغير الرسمية لتلك الدول تُقلِّل مِن خطورة الميليشيات الحوثية الإرهابية على المملكة، العمود الفقري لدوَل مجلس التعاون الخليجية. بل أحياناً لا تذكُر وسائل إعلام تلك الدول الميليشيات الحوثية الإرهابية بإسمها. وعندما بدأت الميليشيات الحوثية الإرهابية إرسال مُسَـيَّراتها وصواريخها البالستية وغير البالستية إلى المُواقع المدنية في المملكة، عَرَف العُقَّـال مِن العَرَب ـــ والخليجيين على وجه الخصوص ــ أنَّ الخِلاف السعودي اليمني الحالي، ليس خِلافاً بين دولتين، بل خِلافاً بين زعيمَة العَرَب مَقَرّ الحرمين الشريفين التي يَشهَد لها القاصي والداني باحترامها لجميع القوانين والأعراف الدولية والإنسانية، وبين ميليشيات حوثية إرهابية لا تَعتَرف بأي قانون أو عُرف إنساني. فالإرهابي لا يُفكِّر بالمُستَقبل ولا بأحدٍ غير نَفسِه، بل إنَّ جُلَّ تفكيره يترَكَّز على ما يَظُنّ أنَّ بإمكانه تحقيقه هذه اللحظة باستخدام الرَّشاش والقُنبُلَة. وبالتالي، فكيف للمملكة أنْ تَتَعامَل مع هذا النوع مِن البَشَر الذي أرهَبَ مُجتَمَعِه، وأخَذَ على عاتِقِه ترويع جيرانه !؟ وكما يُقال، مِن الليالي الحالِكَة يَظهَر النور. وهكذا صار. وبَعدَ أنْ تعَرَّضَت المملكة الأسبوعين الماضيين لقَصفٍ إرهابي عشوائي بالمُسَيَّرات والصواريخ البالستية مِن الميليشيات الحوثية الإرهابية على مطار الملك خالد في الرياض ومطار الملك فهد في الدمام، واستشهاد عشرات المواطنين والوافدين وجَرح المئات مِن البَشَر العُزَّل، استيقَظَ أولئك المُكابرون بشأن أهمية سلامة المملكة، دولةً ومُجتمَعاً؛ ليس لمصلحة المملكة فقط، بل لأهميَتِها لأمنِهِم ولدوَلِهم وتنميَة مُجتمعاتهم، وقبلَ ذلك للأُمَّة العربية والإسلامية. فتعالت أصواتهم لضرورة نُصرَة المملكة والوقوف بجانبها أمام الميليشيات الحوثية الإرهابية التي أدركوا أخيراً أنَّها لن تتوَقَّف عند الإضرار بالمملكة فقط. مِن جانبٍ آخر، فإنَّه مِن الأمور الطبيعية في دوَلةٍ تُعاني مِن ظُلم الحاكِم، أنَّ أي خَطَر أو تهديد أو خلل سياسي بسيط يَقَع في تلك الدولة، تكون أوَّل رَدَّة فعل لمواطنيها المتواجدين في تلك اللحظة خارج الدولة أنْ يؤَخِّروا عَودَتهم لدولَتهم حتى زوال ذلك الخَطَر. أمَّا ما حَدَثَ في المملكة، فهوَ خِلاف ذلك تماماً. حيثُ لم يَتَرَدَّد المواطنون، الذين صادَفَ تواجُدَهَم خارج المملكة أثناء تعَرُّضها لهجمات الميليشيات الحوثية الإرهابية على مُدُنها ومطاراتها المدنية، في الاستعجال بالعودَة إلى المملكة؛ والذين مِنهُم لم يستطيعوا العودة بالطائرة مُباشرةً إلى مطار الملك خالد بالرياض، هبطوا في مطارات المملكة العديدة وجاؤوا بأسرع ما يُمكِن إلى رياض العروبة والإسلام؛ لا يخافون مِن مُسيَّرات وصواريخ الإرهابي الحوثي، ليكونوا مِن أوائل المُتبَرّعين بالدَّم في حملة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء للتبرُّع بالدَّم، والتي أخذَت زَخَمَاً غير معهود في مَنطِقتنا العربية بعد ضحايا القصف الحوثي الخسيس على مطار الملك خالد بالرياض، حيث إصطَفَّ عشرات الآلاف مِن المُتبَرّعين بالدم أمام المستشفيات الحكومية والخاصة، مما إضطُـرَّ وزارة الصحة لأن تطلُب مِن هؤلاء الأفاضِل عَدَم الذهاب مُباشَرَةً للمستشفيات، والمُباَدَرَة بالتسجيل عَبر تطبيق وزارة الصحة لحَجـز موعِد للتبرُّع بالدم في المستشفى الذي يختارونه في التطبيق. والسـؤال هُنـا: هل يقوم بمِثل هذه التصَرُّفات مُجتَمَع لا تَربطه بقيادته أواصِر المَحبَّـة والاحترام والتقدير والثِّقَـة، أو يقوم بها مُجتَمَع يَشـعُر بعَدَم الأمان في بيتِهِ بين أهلِه !؟ وهل يُهَروِل عائداً إلى دولَتِه شخص لا يَثق بقُدرَة قيادتها على تجاوُز أيَّة تحديات، خاصةً وأنَّهُ عائد مِن دولةٍ لا يوجد بها حالياً تهديدات قَصف مِن ميليشيات إرهابية !؟ فلا يخفى على أي مُتابِع إصرار إعلام عَددٍ مِن الدوَل الغربية، ومُنذُ أشهُرٍ عديدة، على تصوير المملكة بأنَّها دولة غير آمِنَة، بل وتحُذِّر مواطنيها مِن السَفر إلى المملكة !! إنَّ أحداث وتداعيات القصف الإجرامي للميليشيات الحوثية الإرهابية على أشرَف المواقع على سَطَح الأرض، وهي منطقة الحَرَم النبوي الشريف، وكذلك على مواقعٍ عديدة في المملكة مِن مطارات ومواقع مدنيَة، واستشهاد العشرات وجَرح المئات عند بوابة صعود الطائرة مِن مدنيين عُزَّل ومُحرِمين قاصدين البيت الحرام للعُمرَة؛ أكَّدَت للعَالَم أجمَع أنَّ الميليشيات الحوثية إرهابية بإمتياز، وأنَّـهُ لا أمَلَ في الحديث والحوار مَع إرهابي يَضَع الرَّشاش والقُنبُلة على طاولة الحوار. وقبلَ ذلك وبَعـدَهُ، أكَّـدت هذه الأحداث أنَّ المُجتمَع السعودي لم يُشَكِّك يوماً مِن الأيام في حِكمَة وحِنكَة قيادته مُنذُ أنَّ وَحَدَّ الملك عبدالعزيز ــ طيَّبَ الله ثراه ـــ مُدُنها وقُراها وبلداتها وقبائلها ومُجتمعاتها في دولةٍ لم تَعرِف بعـدَ ذلك سِوى الاستقرار والأمن والأمان لكُلِّ مَن سَـكَنَها، وحُسن الجوار والتعامُل مع القاصي والداني. واليوم يَقِف المُجتمَع السعودي مؤمِنَاً أقوى مِن أي يومٍ مَضى بحِكمَة قيادته مُمَثَّلةٍ بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، وقُدرَتهم على تجنيب المملكة أيَّة أخطار، وكذلك وضعَها في مكانها المفروض والمُفترَض قائدةً للوحدة الخليجية والعربية والإسلامية. وخُلاصَة القَول هذه الأيام تَتَمَثّـل في الآية الكريمة: (فَأَمَّا الزَّبَـدُ فَيَذْهَبُ جُفـاءً وأمَّا مَا يَنفعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرضِ). والله ندعو أنْ يَرُدَّ كيد أعداء المملكة في نحورهم، ويُوَفِّق قيادتها لكُلِّ ما مِن شأنِه رِفعَـة المملكة ودوام أمنِها واستقرارها.


------------

المصدر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..