فقد اكتشف هؤلاء، بعد آلاف السنين من الحضارة، أن اسم «مصر» لا يليق بمصر، وأن الحل لإنقاذ هويتها التاريخية هو استبداله باسم «إيجبت» (Egypt)، لأن مصر، كما يقولون، ليست عربية، ويجب أن تستعيد هويتها الفرعونية!
والحقيقة أن من حق كل مصري أن يعتز بحضارته القديمة، فهي حضارة كانت تبني الأهرامات عندما كان كثير من شعوب العالم لا يزال يبحث عن طريقة لبناء كوخ لا يتسرب منه المطر.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتزاز بالتاريخ إلى خصومة مع التاريخ نفسه!
فاسم «مصر» ليس اختراعاً عربياً جاء به عمرو بن العاص في حقيبته عند الفتح الإسلامي، بل اسم ضارب في القدم، وله جذور في اللغات السامية قبل الإسلام بقرون طويلة.
أما «إيجبت» التي يريد البعض إعادتها إلى أصولها الفرعونية، فقد وصلت إلى الإنجليزية عبر اليونانية واللاتينية. أي إننا، في سبيل التخلص من اسم يظنونه عربياً، سنستورد اسماً من الإنجليز أخذه الرومان عن اليونانيين الذين اقتبسوه من المصريين!
عملية استيراد تاريخي ناجحة، لم ينقصها سوى الرسوم الجمركية!
والأطرف أن المصريين القدماء كانوا يسمون بلادهم أيضاً «كيميت»، أي الأرض السوداء، نسبة إلى تربة النيل الخصبة. فلماذا لا نستخدم هذا الاسم مباشرة، بدلاً من السفر إلى لندن للبحث عن اسم فرعوني؟
ثم إنني أخشى أن تتطور المطالبات، فيقرر أحدهم أن اللغة العربية نفسها لا تصلح لمصر، ويطالب بإعادة اللغة المصرية القديمة إلى المدارس والدوائر الحكومية، وكتابتها بالخط الهيروغليفي.
وعندها سيذهب المواطن لاستخراج بطاقة شخصية، فيطلب منه الموظف إحضار صورتين شخصيتين، وشهادة ميلاد، وثلاثة طيور، وثعبان، وعين حورس لإكمال الاستمارة!
وقد يخرج علينا قومي آخر ليطالب بإلغاء أسماء الشوارع العربية، وإعادة تسمية القاهرة باسم فرعوني، ثم يكتشف أن القاهرة نفسها لم تكن موجودة أيام الفراعنة، فيطالب بإزالتها من الخريطة حفاظاً على الأصالة التاريخية!
المشكلة ليست في الاعتزاز بالهوية المصرية، ولا في رفض اختزال تاريخ مصر بالعصر العربي وحده؛ فهذا حق مشروع. المشكلة في الاعتقاد بأن الهوية الوطنية قطعة أثاث قديمة يمكن ترميمها بإزالة كل ما أضيف إليها خلال ألفي سنة.
فمصر لم تتوقف عن كونها مصر عندما حكمها اليونانيون، ولا عندما دخلها الرومان، ولا عندما انتشرت المسيحية، ولا عندما أصبحت العربية لغة غالبية سكانها.
وإذا كان تغيير الاسم كافياً لاستعادة الحضارة الفرعونية، فأقترح أن نسمي وزارة المالية «خزانة توت عنخ آمون»، ووزارة الإسكان «هيئة بناء الأهرامات»، ووزارة النقل «مصلحة العربات الحربية»، لعل المشكلات تُحل بمجرد استدعاء الأسماء القديمة!
أما المواطن المصري البسيط، الذي يستيقظ صباحاً بحثاً عن لقمة العيش، فلا أظنه منشغلاً كثيراً بما إذا كان يعيش في مصر أم إيجبت أم كيميت. فهو يعرف أن تغيير اسم الدولة لن يغير راتبه، وأن فاتورة الكهرباء لن تنخفض إذا كُتبت بالهيروغليفية.
فالحضارة المصرية القديمة لم تصبح عظيمة لأنها اختارت لنفسها اسماً عظيماً، بل لأنها صنعت إنجازات جعلت اسمها عظيماً.
أما نحن، فإذا كنا نعتقد أن تغيير الاسم سيعيد أمجاد الفراعنة، فقد نصبح أول أمة في التاريخ تحاول بناء هرم جديد باستخدام قاموس إنجليزي!
د. محسن العبيدي الصفار
@mohsensaffar
·
-

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..