الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

أنقذي العالم… ولكن لا تنسي إظهار ساقيك!

      ما زلت عاجزاً عن فهم المنطق الذي يحكم ملابس النساء في الأفلام والمسلسلات والقصص المصورة، وكأن هناك قانوناً سرياً ينص على أن المرأة يجب أن تكون مثيرة في جميع الظروف، حتى لو كانت ذاهبة للقبض على قاتل متسلسل أو لإنقاذ البشرية من غزو فضائي!

خذوا مثلاً الشرطية في المسلسلات. تجدها ترتدي طقماً من أفخم دور الأزياء، وحقيبة يفوق ثمنها راتبها لستة أشهر، وحذاءً بكعب عالٍ يصلح لعرض الأزياء أكثر مما يصلح لمطاردة المجرمين.

ولو ظهرت شرطية حقيقية بهذه الملابس، لربما استدعتها دائرة مكافحة الفساد للتحقيق معها تحت عنوان «من أين لكِ هذا؟»، وربما اكتشف المحققون أن راتبها السنوي لا يكفي لشراء أزرار سترتها!

والأعجب أنها تستطيع الركض بذلك الكعب العالي خلف المجرمين، والقفز فوق الأسوار، والاشتباك مع ثلاثة رجال مسلحين، بينما تعجز نساء كثيرات عن اجتياز موقف السيارات بالحذاء نفسه دون المخاطرة بالتواء الكاحل!

أما في عالم الأبطال الخارقين، فالمسألة أكثر عبثية.

البطل يرتدي درعاً فولاذياً يغطي جسده بالكامل، وخوذة واقية، وقفازات مضادة للرصاص، وكأنه يستعد لحرب عالمية.

أما البطلة الخارقة، فتذهب لمصارعة وحش فضائي بملابس لا تعرف إن كانت قد ارتدتها للذهاب إلى حفلة راقصة، أم لقضاء عطلة على الشاطئ، أم لتسلية الوحش قليلاً قبل القضاء عليه!

والغريب أن الوحش الذي يستطيع تحطيم ناطحات السحاب بقبضة واحدة، يعجز عن خدش سنتيمتر واحد من جلد البطلة المكشوف. ويبدو أن أسلحته مبرمجة على عدم إصابة المناطق التي يريد الجمهور مشاهدتها!

ولا تتوقف المهزلة عند أفلام الكبار، بل تمتد حتى إلى قصص الأطفال والرسوم المتحركة، حيث نجد الأميرة المحاربة مطالبة بأن تكون جميلة، نحيلة، متأنقة، ذات شعر مصفف بعناية، حتى وهي تهرب من تنين ينفث النار. وكأن التنين سيوقف المطاردة إذا اكتشف أن تسريحة شعرها قد فسدت!

أما البطل الذكر، فيمكن أن يكون بديناً، أصلع، أشعث الشعر، بل وحتى مخلوقاً أخضر له أذنان طويلتان، ومع ذلك يصبح بطلاً محبوباً. أما البطلة فعليها أن تجتاز اختبار ملكة جمال الكون قبل السماح لها بإنقاذ المملكة!

المشكلة ليست في جمال المرأة، ولا في حقها بارتداء ما تشاء، بل في إصرار بعض صناع الترفيه على تقديمها باعتبارها جسداً للفرجة قبل أن تكون إنساناً يمتلك عقلاً ومهارات وقدرات.

وهذه الصور ليست دائماً بريئة أو عفوية، بل تقف وراء كثير منها حسابات تجارية تسعى إلى استغلال جسد المرأة لجذب الجمهور، وتساهم بتكرارها في ترسيخ فكرة أن وظيفة المرأة الأولى هي إرضاء عين الرجل، وأن ذكاءها وشجاعتها وكفاءتها تأتي بعد ذلك، إن بقي لها مكان أصلاً.

ولا يعني ذلك أن جميع الأعمال الفنية تقع في هذا الفخ، فهناك أعمال محترمة كسرت هذه القوالب، وقدمت نساءً حقيقيات دون تحويل أجسادهن إلى لوحات إعلانية.

لكنني أتمنى أن أشاهد يوماً شرطية ترتدي حذاءً رياضياً مريحاً، وبطلة خارقة ترتدي درعاً يحمي جسدها كما يحمي جسد زميلها.

فالمفارقة أن صُنّاع هذه الأعمال يمنحون المرأة قوة تكفي لإنقاذ البشرية من الفناء، لكنهم لا يمنحونها حرية اختيار ملابس مناسبة للمعركة!

وكأن أخطر ما يهدد العالم ليس الوحش الذي جاء لتدميره، بل احتمال أن تنقذه امرأة دون أن تكشف عن ساقيها!
الصورة


بقلم 
د, محسن الصفار






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..