عندما كنت أعيش في أوكرانيا، كانت مسابقات الجمال تُقام بكثرة تجعل المرء يظن أن البلاد اكتشفت
احتياطيًا استراتيجيًا من الجميلات وتبحث عن وسيلة لتصريفه!فهناك ملكة جمال المدينة والحي والشارع والزقاق، ولم أكن لأستغرب لو أعلنوا عن انتخاب ملكة جمال البطيخ، ووصيفتها الأولى ملكة جمال قشر البرتقال!
وذات يوم سألت أحد منظمي هذه المسابقات عن سر هذه الصناعة المزدهرة، فضحك وكشف لي ما وصفه بسر المهنة.
قال إن بعض الأثرياء يأتون إليه، يريد أحدهم أن تصبح ابنته أو عشيقته ملكة جمال، ولا يهم ملكة جمال ماذا، المهم أن تحمل اللقب. فيدفع المبلغ المطلوب، ثم يستأجر المنظمون فتيات من وكالات عرض الأزياء، ويقيمون مسابقة كاملة بالأضواء والموسيقى ولجنة التحكيم والتصفيق.
مع اختلاف بسيط عن المسابقات الحقيقية: أن اسم الفائزة معروف قبل أن تبدأ المسابقة!
وفي اللحظة الحاسمة، يفتح رئيس لجنة التحكيم الظرف، ويعلن اسم الفائزة، فتضع الفتاة يديها على وجهها وتنفجر بالبكاء من شدة المفاجأة، وكأن والدها لم يدفع ثمن هذه المفاجأة مقدمًا!
أما المتسابقات الأخريات فيصفقن بحرارة، فهن يعرفن أنهن لن يفزن، لكنهن على الأقل سيخرجن بأجورهن، بينما تخرج الملكة بالتاج واللقب والصور التذكارية.
والطريف أنني لم أفهم في البداية لماذا يحتاج الرجل إلى إقامة مسابقة كاملة، ما دام يستطيع شراء تاج ووضعه على رأس ابنته في غرفة الجلوس!
ثم أدركت أن الرجل لم يكن يشتري التاج، بل كان يشتري شهادة الآخرين بأن ابنته تستحقه.
فالمسابقة لم تكن لاختيار الفائزة، بل لإخفاء حقيقة أنها اختيرت مسبقًا!
وهنا تذكرت بعض المشاهد السياسية التي تُقام فيها انتخابات بمنافسين ولجان وصناديق اقتراع واحتفالات، بينما تكون النتيجة محسومة قبل أن يدخل أول ناخب إلى المركز الانتخابي.
وفي هذه الحالات، كما في مسابقة الجمال المدفوعة، لا تكون المشكلة في إعلان الفائز، بل في تحويل المنافسة إلى مسرحية تمنح قرارًا مسبقًا مظهر الاختيار الحر.
ثم تبدأ صناعة الألقاب: «القائد الملهم»، و«الحكيم الرشيد»، و«صانع النهضة»، و«الزعيم التاريخي»، حتى يصدق صاحبنا أنه فلتة من فلتات الطبيعة، لا مجرد فائز في مسابقة جرى تفصيلها على مقاسه!
وبالطبع، ليست كل مسابقة أو انتخابات مزيفة، لكن المنافسة الحقيقية هي التي يمكن أن يخسر فيها من يطمح إلى الفوز.
والفرق بين ملكة الجمال المدفوعة والزعيم المتوَّج أن مسرحية الأولى تنتهي بتوزيع الورود والتقاط الصور، أما مسرحية الثاني فقد تستمر سنوات، ويصبح الجمهور مطالبًا بالتصفيق لها وتحمل تكاليفها.
فالأولى اشترى لها والدها تاجًا لتضعه على رأسها، أما الثاني فقد يريد من شعب كامل أن يدفع ثمن التاج، ثم يشكره على منحه إياه!
الصورة
صُنع باستخدام الذكاء الاصطناعي
-

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..