السبت، 31 أكتوبر 2020

خلط الباحثين في التاريخ بين مصطلحي الحديث والمعاصر

       هناك من الباحثين مَن يصدرون عناوين رسائل الماجستير أو أطروحات الدكتوراه بعناوين تحتوي على كلمة “التغيرات الاجتماعية الحديثة”، أو “التغيرات الاجتماعية المعاصرة”، وهم يقصدون بالحديثة التغيرات التي حدثت بعد أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير، ومن ثم يخلطون بذلك بين الحديث والمعاصر.

من هنا كان من الضروري تحديد الفرق بين ما هو حديث وما هو معاصر.

(انظر الرسالة رقم 299 عن الفرق بين التغير والتغيير، والرسالة رقم 300 عن العلاقة بين التغيرات والمتغيرات).

سؤل المؤرخ الراحل الدكتور يونان لبيب رزق السؤال الآتي:
ثار خلاف بين المؤرخين في تحديد تاريخ مصر؛ سواء الحديث، أو المعاصر؟ فمتى بدأ تاريخ مصر الحديث وتاريخ مصر المعاصر؟

فأجاب قائلاً:
“إن عملية تحقيب التاريخ المصري موضع اختلاف بين المؤرخين المصريين،فبينما يرى البعض أن تاريخ مصر الحديث يبدأ بالحملة العثمانية أو الفتح العثماني لمصر عام 1517، يرى البعض الآخر أن هذا التاريخ يبدأ بقدوم الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، وطبعًا لكل طرف من الطرفين حجته، فأولئك الذين يقولون بقدوم الفرنسيين يرون أن الفترة العثمانية كانت أقرب في كل مُعطياتها إلى العصور الوسطى، وبالتالي فلا ينطبق عليها التوصيف بأنها تاريخ حديث، بينما الذين يرون أن الفتح كان بداية لتاريخ مصر الحديث، فهم يربطون ذلك بأوروبا؛ لأنه في نفس التوقيت تقريبًا؛ أي: أوائل القرن السادس عشر، بدأت أوروبا نهضتها الحديثة ودخلت العصور الحديثة، وكما أقول: فكلا الطرفين له حجته، وطبعًا القول بأن التاريخ الحديث يبدأ بعصر محمد علي عام 1805 قول رصين، ولكن لا يمكن الفصل بين الحملة الفرنسية وعصر محمد علي؛ لأن الفرق بينهما سبع سنوات، وإذا كان هناك ثمة خلاف، فإن الآخرين الذين يرون أن تاريخ مصر الحديث يبدأ بتولية محمد علي عرش مصر وبناء مصر الحديثة عام 1805، لهم حجة وجيهة وهي أنه لا ينبغي أن نبدأ تاريخنا الحديث بحدث أجنبي وبقدوم حملة أجنبية على البلاد، أما القول بأن نشأة الأحزاب السياسية عام 1907 بداية لتاريخ مصر المعاصرة، أو ثورة 1919، فهو ليس صحيحًا؛ لأن تاريخ مصر المعاصر له قضية مختلفة عن قضية تاريخ مصر الحديث؛ لأن التاريخ المعاصر “الكونتمبرري” هو شيء مختلف عن الحديث “المودرن”، والتاريخ المعاصر هو تاريخ يفترض أن يكون قد عايشته أجيال لا تزال قائمة على قيد الحياة،ونحن عندما كنا في مستهل دراستنا الجامعية في أوائل الخمسينيات، كنا نعتقد أن ثورة 1919 بداية لتاريخ مصر المعاصر؛ لأن هناك مَن عايشوا هذا الحدث وعاصروه، وأظن أنه بعد مرور حوالي نصف قرن، فإن سنة 1919 لم تعد نقطة بداية ملائمة لبداية تاريخ مصر المعاصر.

وأُريد أن أقول: “إنه ليس هناك كلام نهائي كما قلت لك، فهناك اختلافات حول هذا الموضوع”.

أما الدكتور زين العابدين شمس الدين نجم، فيقول في كتابه تاريخ العرب الحديث والمعاصر، وهو قول مشابه إلى حد كبير لما قاله الدكتور يونان لبيب:
“يمتد التاريخ العربي الحديث والمعاصر لعدة قرون، تبدأ من مطلع القرن السادس عشر حتى منتصف القرن العشرين، أو قُرب نهايته، وهي فترة زاهرة بالعديد من الأحداث السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، تخلَّلتها فترات من الضعف والتخلف، والجمود والعزلة، وأخرى اتسمت بالقوة والتقدم والنهضة، والاحتكاك بالعالم الخارجي.

ولا تتفق آراء المؤرخين حول بداية التاريخ العربي الحديث أو نهايته، فمنهم من يرى أنه يبدأ مع توجه العثمانيين نحو بلاد المشرق العربي منذ منتصف القرن السادس عشر، ثم امتداد نفوذهم إلى معظم البلاد العربية، ومنهم من يرى أنه يبدأ مع نهاية القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر،وكذلك الحال بالنسبة لنهاية التاريخ العربي الحديث، فمنهم من يرى أنه ينتهي عند بداية القرن العشرين، في حين يرى آخرون أن نهايته مع الحرب العالمية الأولى.

وتختلف آراء المؤرخين أيضًا حول بداية التاريخ العربي المعاصر، فمنهم من يرى أنه يبدأ مع بداية القرن العشرين، ومنهم من يرى أنه يبدأ مع الحرب العالمية الأولى، باعتبارها نقطة تحول في تاريخ المنطقة العربية، على حين يرى البعض الآخر أن الحرب العالمية الثانية هي بداية التاريخ العربي المعاصر”.

وينتهى الدكتور ” نجم” إلى القول: “والرأي عندنا أن تاريخ العرب الحديث يبدأ مع دخول العثمانيين إلى المنطقة العربية، وينتهي عند بداية الحرب العالمية الأولى، ليبدأ التاريخ العربي المعاصر في أعقاب هذه الحرب العظمى”.

ويمكن القول بناءً على هذين الرأيين: إن الباحثين الاجتماعيين يستطيعون بسهولة وصْف الظواهر أو المشكلات الاجتماعية التي يبحثونها بأنها حديثة أو معاصرة، فكل ما كان قبل الحرب العالمية الأولى  فهو حديث.
وكل ما كان بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى هو معاصر
،

المصدر

 

-


.... مواضيع مشابهة أو ذات علاقة بالموضوع :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..