الثلاثاء، 2 يونيو 2026

*الإنتقال من مرحلة فرض الهيمنة بالعسكرة إلى مرحلة فرض الهيمنة بالعقيدة*

      يمكن اعتبار هذا التحليل من أخطر ما ستقرأ في هذا التوقيت، ليس لأنه يتناول خبر عادى، بل لأنه يكشف عن تحول جوهري في طبيعة الصراع، وهى *الإنتقال من مرحلة فرض الهيمنة بالعسكرة إلى مرحلة فرض الهيمنة بالعقيدة*

الخبر الذي بين أيديكم، والموثق بالصورة المرفقة، يتعلق بتصريح للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، طالب فيه دول المنطقة *بالإنضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية كشرط لأي مفاوضات مع إيران*، وأكد أن الدولة التي ترفض لن يكون لها مكان في تلك المفاوضات. هذا التصريح ليس موقف سياسي عابر، بل هو إعلان واضح بأن تلك الديانة الإبراهيمية الجديدة إنتقلت من مرحلة الترويج الناعم عبر المشاهير والمدارس الدولية، إلى مرحلة *الإكراه السياسي المباشر*.

لنتوقف لحظة عند دلالات هذا التصريح من منظور التحليل الإستراتيجى. 
*أولاً:* الربط بين الإتفاقات الإبراهيمية والملف النووي الإيراني ليس اعتباطياً، بل هو رسالة مفادها أن أي تسوية إقليمية كبرى في الشرق الأوسط لن تمر إلا عبر بوابة الإعتراف بهذا الكيان الديني الجديد. 

*ثانياً:* صيغة التهديد المباشر -"الدولة التي ترفض لن تكون جزء من الإتفاق"- تكشف أن ما كان يُسوَّق كدعوة طوعية للتسامح والتعايش، تحول إلى آلية عقابية ضد أي دولة تحافظ على هويتها الإسلامية المستقلة. 

*ثالثًا:* التوقيت فقد طرح هذا الموقف في سياق الحديث عن إتفاق محتمل مع إيران يعني أن واشنطن ترى في الديانة الإبراهيمية أداة لتوحيد المنطقة تحت مظلة سياسية وعقدية واحدة، *تمهيداً لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية بالكامل*.

#وهنا نعود إلى جذور المخطط. كما سبق أن وثقنا، فإن ما يُعرف *بمراكز الدبلوماسية الروحية الممولة من الإتحاد الأوروبي، البنك الدولي، وصندوق النقد الدولى كانت تعمل منذ مطلع الألفينات على بلورة فكرة الدين الإبراهيمي الموحد*، مستغلة القيم البراقة مثل التسامح والمحبة وقبول الآخر، *بهدف غرس كره خفي للأديان الأصلية خاصة الإسلام*، وإعداد أجيال جديدة تتقبل هذا الدين الجديد بإعتباره الدين العام العالمي، لكن تصريح ترامب يضيف بعد جديد هو ان هذا الدين لم يعد مشروع ثقافى تتبناه مراكز بحثية، بل *أصبح ورقة ضغط أمريكية* بامتياز، تُستخدم لحسم الملفات السياسية الكبرى.

#المثال الأكثر وضوح على هذا التحول هو ما جرى في *الإمارات، التي تحولت إلى معقل لهذه الديانة الجديدة*، فبعد توقيع إتفاق إبراهيم للتطبيع عام 2020 -والذي سمي بذلك تيمناً بالنبي إبراهيم بحسب تصريح السفير الأمريكي الأسبق ديفيد فريدمان- شرعت أبو ظبي في بناء معبد الديانات الإبراهيمية الذي يضم كنيسة وكنيسًا ومسجد في موقع واحد، وتوالت التصريحات الداعمة لهذا التوجه من شخصيات دينية وسياسية عربية، وصولاً إلى تصريح ترامب الأخير الذي يرفع السقف إلى المستوى القسري.

*من منظور عقائدي*، وقبل أن يكون سياسى، لا بد من إستحضار *{موقف علماء المسلمين}* الثابت من هذا الملف. في 21 فبراير الماضي، صدر البيان الختامي لمؤتمر "موقف الأمة الإسلامية من الديانة الإبراهيمية" بمشاركة الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين ورابطة علماء المسلمين ورابطة المغرب العربي و19 دولة، وجاء فيه أن أساس فكرة الدين الإبراهيمي يقوم على المشترك بين عقيدة الإسلام وغيره من العقائد - وهي *فكرة باطلة*؛ إذ الإسلام إنما يقوم على *التوحيد والوحدانية* وإفراد الله بالعبادة، بينما الشرائع المحرفة قد دخلها الشرك، والتوحيد والشرك ضدان لا يجتمعان، وأن "الزعم بأن إبراهيم عليه السلام على دين جامع للإسلام واليهودية والنصرانية زعم باطل، قال تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}". هذا الموقف الشرعي الواضح يؤكد أن أي محاولة لفرض دين هجين تحت أي مسمى، مهما كان داعموها أو أساليب إكراهها، تبقى خروج على ملة الإسلام.

#والسؤال الإستراتيجى الآن.. 

*كيف نتعامل مع هذا المخطط*؟
 التحليل يقودنا إلى عدة إستنتاجات عملية. 

*أولاً:* لا يمكننا الإستمرار في إنكار وجود المخطط أو اختزاله في مؤامرات نظرية، فالخبر أمامنا موثق والأدلة المتسلسلة -من معبد أبو ظبي إلى تصريح ترامب- تؤكد أن الموضوع *أصبح واقع سياسى* ملموس.
 
*ثانيًا:* يجب إعادة ترتيب الأولويات، فبدل من الإنشغال بمواجهة مظاهر ثانوية لا تمس العقيدة جوهراً، ينبغي تركيز الجهود على *ترسيخ العقيدة السوية في نفوس الأجيال الجديدة* وتحصينهم فكرياً ضد هذه الأفكار، مع فضح الآليات التي تعمل بها الجهات المروجة للديانة الإبراهيمية سواء في المدارس أو الإعلام أو المنصات الدولية.
*ثالثًا:* على النخب السياسية والدينية في الدول العربية والإسلامية أن تدرك أن القبول بهذا الدين تحت ضغط الشروط السياسية يعني *التفريط في الهوية* مقابل وعود لا تُسمن ولا تغني من جوع، 
*والتاريخ يعلمنا أن من يفرط في عقيدته يفقد قراره السيادي أولاً ثم أرضه ثانياً*.

تصريح ترامب ليس مجرد خبر عابر، بل هو جرس إنذار للعالم العربي والإسلامي، فالديانة الإبراهيمية الجديدة لم تعد فكرة تطرح في ندوات، بل أصبحت أداة ضغط في أعلى المستويات السياسية الأمريكية، ومن يراهن على أنها مجرد "تسامح" فهو إما غافل أو متغافل.
ربنا يحفظ البلاد والعباد، ويقي الأمة شر ما يُكاد لها.
بقلم  السيد اللواء أركان حرب 
دكتور   / *أحمدعبدالبر *

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..