اسمح لي يا معالي الوزير…
لسنا في زمن الصناديق المجهولة، ولا في عهد التبرعات السائبة؛ نحن في دولةٍ رقمنت المسارات، وحوكمت الإجراءات، وربطت العطاء بالتصريح والرقابة والمراجعة والمحاسبة.
وقد صدر نظام جمع التبرعات بقرار مجلس الوزراء رقم 116 وتاريخ 2 / 2 / 1446هـ، وبالمرسوم الملكي رقم م/43 وتاريخ 8 / 2 / 1446هـ؛ ليكون الخير منظمًا، والمال محفوظًا، والمستفيد معلومًا، والطريق واضحًا.
وليعلم معاليكم، وليعلم المجتمع، أن القطاع غير الربحي لم يعد زاويةً صغيرة في دفترٍ قديم؛ بل منظومة وطنية تضم 7,825 جهة غير ربحية، منها 6,099 جمعية أهلية، و1,077 صندوقًا عائليًا، و649 مؤسسة أهلية؛ وهذه الكيانات ليست أرقامًا صامتة، بل جهودٌ قائمة، وأيدٍ باذلة، ومؤسساتٌ تخدم الإنسان، وتعين المجتمع، وتليق بسمعة هذا الوطن ومكانته.
نحن نريد الإصلاح، نعم؛ لكن لا نريده على هيئة حماسةٍ إعلاميةٍ غير مدروسة، تجعل من شاشات الفضائيات محكمةً مفتوحةً على الفضاء الرقمي.
فالكلمة الصادرة من الوزير ليست كغيرها؛ لأنها تخرج من مقامٍ رسمي رفيع، وتُحسب على المقام قبل الشخص، وتسمعها العيون قبل الآذان في عالمٍ لم يعد مغلقًا ولا معزولًا.
نحن اليوم في فضاءٍ رقمي يرانا فيه الصغير والكبير، والقريب والبعيد، والحبيب والخصيم؛ فلا يصح أن نمنح المتربصين عبارةً عابرة يجعلونها لافتةً على وطنٍ كبير.
إن كانت هناك ملاحظات، فمسارها الجهات المختصة.
وإن وُجدت مخالفات، فبابها النظام.
أما أن نبعث للعالم رسالةً توحي بأن بلادنا لا تعرف كيف تجمع التبرعات، ولا كيف تصرفها، ولا بمن تثق؛ فهذا قولٌ جائر، وصورةٌ باطلة، وجرحٌ لا يحتاجه وطنٌ بنى أدواته بوعيٍ ورقمنةٍ وحوكمة.
لقد مضى زمن الدفتر المرتبك، وجاء زمن البيانات والمعالجة والتقنية؛ ومن الظلم أن تسير الدولة إلى المستقبل، ثم تعود بعض العبارات لتحرث في أرض الماضي.
الجمعيات الخيرية ليست عبئًا على الدولة، بل رافدٌ من روافدها المجتمعية.
ومن يساهم بماله أو وقته أو جهده في عملٍ خيريٍ منضبط، فهو لا يبني مسجدًا أو يكفل محتاجًا فحسب؛ بل يغرس ولاءً، ويصنع انتماءً، ويقول بيده قبل لسانه: هذا وطني، وأنا شريكٌ في رفعته.
فلا نقدح في أبنائنا وبناتنا، ولا نكسر ثقة محسنينا، ولا نضع مؤسساتنا التطوعية في مهب التهويل الإعلامي.
نحاسب المخالف، نعم.
لكن لا نُهين المنظومة.
نصحح الخطأ، نعم.
لكن لا نُسقط الثقة.
نطلب الإصلاح، نعم.
لكن لا نفتح للناس نافذةً يضحكون منها علينا.
اسمح لي يا معالي الوزير…
الوطن لا يُعرض كأنه عاجزٌ عن إدارة معروفه، والثقة لا تُحمى بتكسيرها، والعمل الخيري لا يُصان بتشويهه.
ومن أراد الإصلاح، فليدخل من باب النظام؛ لا من باب الضجيج.
✍️/ مازن المليح.
📍 قناة أثر وتأثير.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..