ليست كل المباريات تُحسم في لحظة البداية، ولا كل الانتصارات تُولد مع صافرة الانطلاق. فكثيرًا ما يكون الفارق الحقيقي في لحظة مراجعة صادقة، تُصحَّح فيها الأخطاء، وتُعاد فيها قراءة الطريق.
ومع اشتداد المنافسة في نهائيات كأس العالم، تتجه أنظار الملايين إلى المستطيل الأخضر، حيث تُحسم البطولات بالأهداف، ويُخلَّد في الذاكرة من يرفع الكأس في النهاية. لكن عشاق كرة القدم يدركون أن كثيرًا من المباريات لا تُحسم في التسعين دقيقة وحدها، بل تبدأ ملامح الفوز في الدقائق القليلة بين الشوطين؛ حين يجلس المدرب مع لاعبيه، يراجع الأداء، ويحلل الأخطاء، ويعيد ترتيب الأولويات، ويغيّر الخطة، وربما يستبدل بعض اللاعبين، فتعود المباراة بروح مختلفة، وقد تنقلب النتيجة رأسًا على عقب.
هذه الوقفة القصيرة لم تكن مجرد فكرة رياضية، بل ألهمت رجل الأعمال الأمريكي بوب بوفورد، فكتب قبل نحو ثلاثين عامًا كتابه «Halftime» (بين الشوطين)، داعيًا الإنسان إلى أن يجعل من حياته وقفات يراجع فيها مسيرته، ويعيد ترتيب أولوياته، قبل أن يمضي بقية الطريق بالطريقة نفسها التي بدأ بها.
ولم يكن مقصوده أن يعتزل الإنسان عمله أو يتخلى عن مسؤولياته، وإنما أن ينتقل من العيش على وتيرة العادة إلى العيش بوعي ورسالة، وأن يجعل النجاح وسيلة لا غاية، والخبرة أداة للعطاء، لا مجرد وسيلة لتحقيق المكاسب.
وهنا تلتقي هذه الفكرة مع حقيقة راسخة في الإسلام؛ فالمسلم لا يعيش لمجرد النجاح الدنيوي، ولا يجعل المال أو المنصب غاية مسيرته، وإنما يعيش لرسالة، ويعمل لغاية، ويوقن أن عمره أمانة، وأن حياته عبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
والعبادة في مفهومها الشامل لا تقتصر على الصلاة والصيام وسائر الشعائر، بل تشمل كل عمل صالح يُبتغى به وجه الله، وينفع الناس، ويعمر الأرض، ويحقق معنى الاستخلاف الذي خلق الله الإنسان من أجله.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس كم أنجزت، بل إلى أين تتجه حياتك؟
فقد يبلغ الإنسان قمة النجاح الوظيفي، ويحقق مكانة اجتماعية مرموقة، ويجمع من المال ما يكفيه، ثم يكتشف أن شيئًا ما يزال ينقصه؛ لأن النجاح إذا انفصل عن الغاية أصبح محطة مؤقتة، أما إذا ارتبط برسالة، تحول إلى طريق ممتد، يملأ الحياة معنى، ويمنح صاحبه الطمأنينة والرضا.
ولعل أجمل ما في فكرة «بين الشوطين» أنها تدعو إلى التوقف قبل فوات الأوان. فكما لا يصر المدرب على خطة أثبتت فشلها في الشوط الأول، لا ينبغي للإنسان أن يواصل السير في طريق يدرك في أعماقه أنه لا يقوده إلى الحياة التي يتمناها.
إن أكثر الناس حاجة إلى المراجعة ليس من أخطأ، بل من اعتاد السير دون أن يسأل نفسه: لماذا أسير؟ وإلى أين؟ وما الذي أرجو أن أصل إليه؟
ولهذا كانت محاسبة النفس من المعاني العظيمة في الإسلام؛ فهي ليست لحظة يأس أو جلدًا للذات، وإنما وقفة صادقة للمراجعة، وبداية للتصحيح، وفرصة لاستثمار ما بقي من العمر فيما هو أنفع وأبقى.
ومن هنا تبدأ رحلة التغيير.
فالتغيير لا يبدأ بتبديل الوظيفة، ولا بالانتقال إلى مكان آخر، ولا باتخاذ قرارات متسرعة، وإنما يبدأ من الداخل؛ من مراجعة القناعات، وإعادة ترتيب الأولويات، وتصحيح البوصلة التي توجه الإنسان في حياته.
ولذلك قرر القرآن هذه الحقيقة الخالدة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
فليست الدعوة إلى انتظار تغيّر الظروف، بل إلى المبادرة بتغيير النفس؛ لأن إصلاح الداخل هو الخطوة الأولى لإصلاح الخارج.
وإذا كانت استراحة بين الشوطين تمنح الفريق فرصة لتصحيح أخطائه قبل استئناف المباراة، فإن أعظم ما يمنحه الله للإنسان هو فرصة مراجعة نفسه قبل أن تنقضي أيامه.
فما دام في العمر بقية، فإن باب التغيير لا يزال مفتوحًا، وما دامت صافرة النهاية لم تُطلق، فإن الفرصة ما زالت قائمة لبدء شوط جديد، بخطة أفضل، ورؤية أوضح، وغاية أسمى.
في كل مباراة، يخرج الفريقان من غرفة الملابس؛ أحدهما يكرر أخطاء الشوط الأول، والآخر يعود بخطة مختلفة وروح جديدة. والفارق بينهما ليس فيما حدث، بل فيما قرر أن يفعله فيما بقي من الوقت.
وهكذا هي الحياة؛ فلا أحد يستطيع أن يعود إلى الوراء ليغيّر ما مضى، لكن كل إنسان يملك أن يحسن استثمار ما بقي من عمره.
ومن أعمق الأسئلة التي يطرحها كتاب «Halftime»: هل أنت من يقود حياتك، أم أن الحياة هي التي تقودك؟
فكثير من الناس يعيشون تحت ضغط الالتزامات اليومية، حتى تتحول حياتهم إلى سلسلة من الأعمال المتكررة؛ يستيقظون، ويعملون، وينشغلون، ثم يعودون إلى اليوم التالي بالطريقة نفسها، حتى تمضي الأعوام دون أن يمنحوا أنفسهم فرصة للتأمل في الوجهة التي يسيرون إليها.
ومن هنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل تعيش حياتك بدافع الواجب وحده، أم بدافع الرسالة؟
فقد يدفع الإنسان الخوف من الفقر، أو السعي وراء المكانة الاجتماعية، أو كثرة الالتزامات إلى العمل المتواصل، فيعيش لأنه مضطر، لا لأنه مقتنع بما يصنع.
وفي المقابل، هناك من يقوده هدف يؤمن به، ورسالة يشعر أنها تستحق أن يبذل لها عمره، فيصبح العمل مصدرًا للمتعة والعطاء قبل أن يكون وسيلة للكسب.
وهذا المعنى ينسجم مع أصل عظيم في الإسلام؛ فالأعمال لا تُقاس بصورها الظاهرة فحسب، وإنما بمقاصدها ونياتها، ولذلك قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (متفق عليه).
فالفرق بين عملين قد يكون في النية، لا في الجهد، وبين شخصين يؤديان العمل نفسه، قد يكون أحدهما يؤدي وظيفة، بينما يحمل الآخر رسالة.
ومن هنا تبدأ الخطوة التالية: اكتشف رسالتك.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢].
فهذه الآية تختصر فلسفة المسلم في الحياة؛ إذ تجعل الحياة كلها متجهة إلى غاية واحدة، فلا ينفصل العمل عن العبادة، ولا النجاح عن الرسالة.
وليس المقصود أن يبحث كل إنسان عن عمل استثنائي أو شهرة واسعة، وإنما أن يسأل نفسه: أين أستطيع أن أنفع؟ وما المجال الذي أحسن فيه؟ وما العمل الذي أرجو أن ألقى الله به؟
فقد تكون رسالة الطبيب في تخفيف آلام المرضى، ورسالة المعلم في بناء العقول، ورسالة التاجر في الصدق والأمانة، ورسالة الأب والأم في تربية جيل صالح، ورسالة الموظف في إتقان عمله وخدمة الناس بإحسان.
إن الحياة لا تطلب من الجميع أن يكونوا مشاهير، لكنها تطلب من كل واحد أن يكون صادقًا مع رسالته، مخلصًا في عمله، نافعًا لمجتمعه.
ولهذا فمن الحكمة ألا يبدد الإنسان طاقته في عشرات الأهداف المتفرقة، بل يجعل لحياته مقصدًا واضحًا، تتجمع حوله جهوده وقراراته. وهذا قريب من قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧-٨].
ومن الأخطاء الشائعة أن يظن بعض الناس أن التغيير لا يكون إلا بقرارات كبيرة ومفاجئة، بينما تؤكد التجارب أن أكثر التغييرات رسوخًا هي التي تبدأ بخطوات صغيرة، لكنها مستمرة.
ابدأ بساعة تقرأ فيها كل يوم، وأصلح علاقة انقطعت منذ سنوات، وتعلّم مهارة جديدة، وخصص جزءًا من وقتك لخدمة مجتمعك، وراجع أولوياتك في نهاية كل أسبوع. فالأعمال العظيمة لا تبدأ بقفزات، وإنما بخطوات ثابتة، ولذلك قال النبي ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» (متفق عليه).
غير أن الأخذ بالأسباب لا يعني الاعتماد عليها، كما أن الإيمان بالقدر لا يعني التواكل وترك العمل، بل يجمع المؤمن بين الأمرين جميعًا. ولهذا قال النبي ﷺ: «اعملوا، فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِق له» (متفق عليه)، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ﴾ [الليل: ٥-١٠].
فالحديث يرسم للمؤمن منهجًا متوازنًا؛ يعمل ويجتهد، ويخطط ويأخذ بالأسباب، ثم يرضى بما يقدره الله، ويوقن أن التوفيق بيده سبحانه. ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ [النجم: ٣٩-٤٠].
وربما كان أهم سؤال ينبغي أن يطرحه الإنسان على نفسه: لو بدأت حياتي من جديد، هل سأختار الطريق نفسه الذي أسير فيه اليوم؟
إن كانت الإجابة نعم، فامضِ واثبت، واسأل الله البركة والتوفيق.
وإن كانت الإجابة لا، فلا تنتظر أن تتغير الظروف، بل ابدأ بتغيير نفسك، واتخذ القرار الذي يقربك من الغاية التي خُلقت لها؛ فكل تغيير حقيقي يبدأ بقرار صادق، ثم يتبعه عمل متدرج، حتى تتحول الحياة إلى مسيرة واعية، لا إلى أيام تمضي بلا اتجاه.
ولعل من أبلغ الدروس التي نتعلمها من عالم الرياضة أن الفوز لا يكون دائمًا لمن استحوذ أكثر، بل لمن أحسن استثمار الفرص. فقد نشاهد فريقًا يملك الكرة معظم المباراة، ثم تكون الغلبة لمنافسه؛ لأنه عرف كيف يوظف إمكاناته في اللحظة المناسبة.
وكذلك الحياة؛ فليست القيمة في كثرة ما نملك من الوقت، أو المال، أو القدرات، وإنما في حسن توظيفها. ولذلك قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، فجعل معيار التفاضل إحسان العمل، لا كثرته.
إن النجاح الذي لا يقود إلى رسالة يبقى نجاحًا ناقصًا، أما النجاح الذي يقود إلى إصلاح النفس، ونفع الناس، وابتغاء مرضاة الله، فهو النجاح الذي يمنح الحياة معناها، ويبارك أثرها.
ومع اقتراب نهاية كأس العالم، سيتذكر الناس الفريق الذي أحسن قراءة المباراة، وعدّل خطته في الوقت المناسب، واستثمر إمكاناته حتى بلغ منصة التتويج.
أما في حياتنا، فالفوز الحقيقي ليس كأسًا تُرفع، ولا لقبًا يُمنح، وإنما نفس أصلحت مسارها، وعقل راجع أولوياته، وقلب امتلأ يقينًا بأن كل خطوة صادقة في طريق الخير هي فوز في الدنيا، وفوز أعظم في الآخرة. قال تعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
وأول من يجني ثمار التغيير صاحبه؛ فإذا صلحت النفس، صلح العمل، وإذا صلح العمل، امتد خيره إلى من حوله،
قال سبحانه:
﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
قال سبحانه:
﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
وليس كل نجاح مباركًا، كما ليس كل إنجاز عظيمًا؛ فالبركة هي التي تمنح العمل أثره، والعمر قيمته، والجهد ثماره. وكم من عمل قليل باركه الله فبلغ الآفاق، وكم من جهد عظيم تلاشى أثره حين خلا من الإخلاص، أو حُرم التوفيق.
فما دامت صافرة النهاية لم تُطلق، وما دام في العمر بقية، فكل يوم يمنحك الله إياه هو فرصة لتراجع خطتك، وتصحح مسارك، وتجدد نيتك، وتبدأ من جديد. فالنجاح الحقيقي ليس أن تغيّر مجرى مباراة، بل أن تغيّر مجرى حياتك..
وهنا يبدأ دورك أنت.
وهنا يبدأ دورك أنت.
بقلم: د. حمد بن إبراهيم البدر
مواضيع مشابهة-أو_ذات صلة :
*"بمناسبة كأس العالم 2026 | بين الشوطين.. الفرصة لا تأتي مرتين"* (الحلقة الثالثة)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..