الخميس، 15 أكتوبر 2026

الهندسة الاجتماعية… صناعة العبيد الأحرار!

  كان الطغاة قديمًا يحتاجون إلى السجون والسياط لإجبار الناس على الطاعة، حتى اكتشف عباقرة الهندسة الاجتماعية أن الأسهل هو إقناع الإنسان بأنه اختار عبوديته بنفسه!

اجتماعيًا: كانت المرأة في مجتمعات كثيرة تخشى إظهار ساقيها، ثم جاءت صناعة الموضة لتقنعها بأن كشف المزيد من جسدها هو قمة التحرر! والمفارقة أنها انتقلت من سلطة التقاليد التي تأمرها بالتستر إلى سلطة الإعلانات التي تشجعها على التعري. والفرق أن الأولى كانت تفرض عليها الملابس، والثانية تبيعها ملابس أقل بسعر أعلى!

اقتصاديًا: أقنعوا الإنسان بأنه يحتاج إلى هاتف جديد كل عام، وسيارة فاخرة ليحظى بالاحترام، وساعة بعشرة آلاف دولار لمعرفة الوقت! فأصبح يعمل طوال حياته ليشتري أشياء لا يحتاجها، بأموال لا يملكها، لإبهار أشخاص لا يحبهم!

دينيًا: رغم أن عيد الفصح هو الأهم لاهوتيًا في المسيحية، استطاعت الثقافة التجارية جعل الكريسماس موسمًا استهلاكيًا هائلًا. ولم تخترع كوكاكولا سانتا كلوز، لكنها ساهمت في ترسيخ صورته الحديثة، حتى أصبح الرجل الأحمر أشهر نجوم المناسبة! وبات الأطفال ينتظرون هداياه، والتجار ينتظرون أرباحه، والبنوك تنتظر الأقساط!

سياسيًا: هنا تبلغ الهندسة الاجتماعية قمة الوقاحة! فالمحتل يصبح مدافعًا عن نفسه، والمستعمر ناشرًا للحضارة، والقصف دفاعًا مشروعًا، وقتل الأطفال أضرارًا جانبية! وإذا اعترض الضحية، اتُّهم بأنه يهدد السلام العالمي! وكأن لصًا اقتحم بيتك، ثم اتهمك بالإرهاب لأن صراخك أفزعه أثناء السرقة!

ثقافيًا: ملايين البشر يرتدون الملابس نفسها، ويشترون المنتجات نفسها، ويرددون الشعارات نفسها، ثم يؤكد كل واحد منهم أنه شخصية مستقلة لا تقلد أحدًا! قطيع كامل من الخراف، يحمل كل خروف فيه لافتة تقول: «أنا مختلف عن الآخرين»!

والخلاصة: ليست كل التغيرات الاجتماعية مؤامرة، لكن أخطر أنواع السيطرة هي التي تجعل الإنسان يعتقد أنه حر بينما تُصنع رغباته وقناعاته نيابة عنه.

كان العبد قديمًا يحلم بكسر قيوده، أما عبد العصر الحديث فيشتري قيوده بنفسه، ويدفع اشتراكًا شهريًا لصيانتها، ثم يمنح الشركة المصنعة خمس نجوم!

لقد نجحت الهندسة الاجتماعية في إقناع العصفور بأن القفص هو الحرية، وأن السماء خطر على سلامته، وأن الطيران خارج القفص مخالفة لشروط الاستخدام!
الصورة

بقلم: د. محسن الصفار

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..