من أكثر العلاقات الإنسانية تعقيدًا علاقة الآباء والأمهات بأبنائهم البالغين. بل إن هذه العلاقة قد تكون أحيانًا أكثر تعقيدًا من علاقتهم بأبنائهم الصغار.
فالطفل، منذ ولادته، لا يحصل على الطعام والملابس والرعاية فحسب، بل يحصل أيضًا على مدير عام لشؤون حياته، يتولى اتخاذ القرارات نيابة عنه، بدءًا من نوع الحليب الذي يشربه، وصولًا إلى لون الحذاء الذي يرتديه.
ومع مرور السنوات، يعتاد الأبوان على هذه السلطة حتى تصبح جزءًا من شخصيتهما، ويختلط الحب بالإحساس بالملكية، وتختلط الرعاية بالرغبة في السيطرة.
ثم تقع الكارثة التي لم تكن في الحسبان!
يكبر الطفل!
ليس هذا فحسب، بل يبدأ هذا المخلوق الذي كان بالأمس يحتاج إلى مساعدة في ربط حذائه باتخاذ قراراته بنفسه، وربما يرتكب الجريمة الكبرى في نظر بعض الأهل: أن تكون له آراء تختلف عن آرائهم!
ولتبسيط المسألة، تخيل أنك تمتلك سيارة تقودها يوميًا منذ عشرين عامًا، تعرف كل تفاصيلها، وتقرر متى تنطلق، وأين تتوقف، وأي طريق تسلك.
ثم يأتي شخص آخر، ويجلس خلف المقود، ويطلب منك الجلوس بجانبه.
حتى لو كان سائقًا ممتازًا، ستجد نفسك تضغط بقدمك على فرامل وهمية كلما اقترب من سيارة أخرى، وتصرخ: انتبه! خفف السرعة! لماذا اخترت هذا الطريق؟
ليس بالضرورة لأن السائق سيئ، بل لأنك لم تعد أنت من يقود.
وهذا بالضبط ما يحدث مع بعض الآباء والأمهات عندما يكبر أبناؤهم.
فالابن الذي أصبح طبيبًا أو مهندسًا أو رجل أعمال، وربما صار أبًا لثلاثة أطفال، يكتشف أن والدته ما زالت ترى أنه غير مؤهل لاختيار ملابسه الشتوية!
والابنة التي تدير مؤسسة يعمل فيها مئات الموظفين، قد تجد نفسها عاجزة عن إقناع والدها بأنها قادرة على اختيار زوجها دون تشكيل لجنة عائلية لدراسة الطلب!
بل إن بعض الأهل لا يكتفون بالتدخل في زواج أبنائهم، وإنما يمتد نفوذهم إلى اختيار البيت الذي يشترونه، والعمل الذي يمارسونه، والطريقة التي يربون بها أطفالهم، وحتى أسماء أحفادهم.
وكأن الابن حصل على شهادة البلوغ، لكنه لم يحصل بعد على رخصة الاستقلال!
والغريب أن بعض الآباء يطالبون أبناءهم بأن يكونوا رجالًا يعتمدون على أنفسهم، ثم يغضبون عندما يتصرفون فعلًا كرجال مستقلين.
يقول الأب لابنه: أنت الآن رجل، وعليك أن تتحمل مسؤولياتك!
فإذا اتخذ الابن قرارًا دون استشارته، صاح غاضبًا: ومن سمح لك أن تقرر وحدك؟!
وهكذا يصبح الابن رجلًا كامل الأهلية عندما يتعلق الأمر بالمسؤوليات، وطفلًا قاصرًا عندما يتعلق الأمر بالحقوق والقرارات.
بالطبع، ليس كل تدخل من الأهل محاولة للسيطرة. فكثير منه ينبع من الحب والخوف والتجربة والرغبة الصادقة في حماية الأبناء من الأخطاء. ومن الطبيعي أن يستمع الإنسان إلى نصائح والديه، وأن يحترم خبرتهما ومشاعرهما.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين النصيحة والأمر، وبين الخوف على الابن والرغبة في التحكم بحياته.
فالنصيحة تقدم خبرة، أما السيطرة فتفرض إرادة.
والأهل الذين يرفضون الاعتراف باستقلال أبنائهم قد يحولون محبتهم، دون أن يشعروا، إلى عبء نفسي يفسد العلاقة التي يحاولون المحافظة عليها.
والنتيجة أن بعض الأبناء يضطرون إلى إخفاء قراراتهم عن أهلهم، أو الكذب عليهم، ليس لأنهم يفعلون شيئًا خاطئًا، بل هربًا من معارك عائلية لا تنتهي.
وهنا تحدث المفارقة المؤلمة: الأهل الذين أرادوا البقاء قريبين من أبنائهم بالسيطرة عليهم، قد ينتهون بإبعاد أبنائهم عنهم.
إن نجاح التربية لا يقاس بمدى استمرار طاعة الأبناء لآبائهم بعد بلوغهم، بل بمدى قدرتهم على إدارة حياتهم بصورة مستقلة ومسؤولة.
فالأبوة والأمومة ليستا عقد ملكية مدى الحياة، والأبناء ليسوا ممتلكات تنتقل إدارتها من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشيخوخة.
ومن حق الأهل أن ينصحوا، ومن حق الأبناء أن يختلفوا، وليس كل اختلاف عقوقًا، كما أن ليس كل نصيحة تدخلًا.
وأخيرًا، على الآباء والأمهات أن يدركوا حقيقة بسيطة:
عندما يكبر أبناؤكم، لا يعني انتقالكم من مقعد السائق إلى مقعد الراكب أنكم فقدتم مكانتكم في حياتهم.
لكن إذا أصررتم على الإمساك بالمقود من المقعد المجاور، فلا تستغربوا إذا قرر السائق في النهاية أن يكمل رحلته وحده!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أهلا بك ،
أشكر لك إطلاعك على الموضوع و أن رغبت في التعليق ،
فأرجو أن تضع إسمك ولو حتى إسما مستعارا للرد عليه عند تعدد التعليقات
كما أرجو أن نراعي أخلاقيات المسلم;حتى لانضطر لحذف التعليق
تقبل أطيب تحية
ملاحظة: يمنع منعا باتا وضع أية : روابط - إعلانات -أرقام هواتف
وسيتم الحذف فورا ..